اسماعيل بن محمد القونوي
412
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأولى من التقوى ولا شك في تحقق فرط الصيانة في هذه المرتبة الأولى التي هي الإيمان إذ ما يضر في الآخرة فرده الأكمل هو العذاب المخلد فيراد به هذا الفرد الكامل سواء كان تحقق ما يضر في الآخرة سوى هذا الفرد الكامل أولا فلا إشكال بأن المعنى اللغوي معتبر في المعنى الشرعي ففرط الصيانة غير متحقق في المرتبة الأولى إذ فرط الصيانة عما يضر في الآخرة أن لا يحوم حول ما يمضي إليه أصلا مخلدا أو غير مخلد . قوله : ( والثانية والتجنب عن كل ما يؤثم ) التجنب الترك والاحتراز وأصله الأخذ في جانب غير الجانب الذي هو فيه فهو ملزوم للترك فأريد به مجازا ثم صار حقيقة عرفية يؤثم تفعيل من الإثم وقيل من الإيثام أي يوقع الإثم عمدا ( من فعل ) كالسرقة مثلا ( أو ترك ) كترك الصلاة والتركيب من قبيل وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] إذ حاصل المعنى أن لا يقع فيما يؤثم من فعل أو ترك فيفيد الاستغراق ( حتى الصغائر عند قوم ) فعلا كانت أو تركا عطف على قوله كل ما يؤثم إذ الصغائر أفراد ضعيفة من متبوعها متمسكين بما روي عن النبي عليه السلام لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس فيه حذرا مما به بأس وفي كلامه إشارة إلى أن المختار أن اجتنابها ليس بمعتبر في التقوى إذ الأنبياء عليهم السلام غير معصومين عنها سوى ما يدل على الحنسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة عند الجمهور مع أنهم أئمة المتقين الحديث الشريف محمول على الزجر وبيان أن الاحتراز عنها أولى ونظائره كثيرة في الإخبار والآيات ولا يقال والحديث يحمل على تقدير صحته على المرتبة الثالثة لأن الأنبياء عليهم السلام في المرتبة الثالثة هذا على تقدير كون الكبائر متعينة كما ورد من أنها سبع أو تسع أو غير ذلك وأما على ما قيل من أن صغر الذنوب وكبرها بالإضافة إلى ما فوقها وما تحتها كما نقله المص في سورة النساء في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ النساء : 31 ] الآية فلا بد أن يجتنب عن الآثام كلها سوى حديث النفس فإن كل الآثام على هذا التقدير كبيرة باعتبار النظر إلى ما تحتها وحديث النفس صغيرة فقط لكن القول الأول هو المعتمد المعول عليه وبعضهم نقل عن أهل الحديث وكثير من أهل السنة أن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر كما هو رأي المعتزلة فإن تم ذلك فالأمر ظاهر لكن ما رأيناه في الكتب الكلامية والثابت فيها أن ذلك مذهب المعتزلة وقول علمائنا ويجوز العقاب على الصغائر ولو مع اجتناب الكبائر يدل على خلاف ما نقله البعض . قوله : ( وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع ) أي المتعارف في عرف الشرع لا يصار في عرفه إلى غيره إلا عند قرينة على خلافه فح يراد في عرفه المعنى الأول أو المعنى الثالث كما سيجيء ( والمعنى ) أي المراد اسم مفعول من عنى يعني أصله معنوي فاعل فصار معنيّ كمرميّ ( بقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ الأعراف : 96 ] ) قوله : وهو المعنى بقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا [ المائدة : 65 ] فإن عطف واتقوا على آمنوا يؤذن بأن المراد بالتقوى فيه الإتيان بالأعمال الصالحة والتجنب عن المعاصي .